حسن بن عبد الله السيرافي
300
شرح كتاب سيبويه
وليس البيتان بمعروفين وأمّا الموضع الآخر ل ( دون ) فأن تكون بمعنى : حقير أو مسترذل ، فقال : هذا دونك ، أي : هذا حقيرك ومسترذل . كما تقول : ثوب دون ، إذا كان رديئا ، وجائز أن يكون دون الذي في المرتبة والمنزلة المستعمل ظرفا محمولا على هذا الرفع ، لأنك إذا جعلته في مكان أسفل من مكانه على التمثيل صار بمنزلة أسفل وتحت ، وهما يجوز رفعهما على التنكير على أن أسفل اسم متمكن إذا كان نقيض أعلى ، تقول : هذا أسفل الحائط وهذا أعلاه ، كما تقول : هذا رأسه وهذا آخره . قال سيبويه : ( وليس كل موضع يحسن أن يكون ظرفا ) . وذكر الفصل . فإنه يريد أنهم لا يقولون : هو جوف الدار وخارجها كما تقول : هو خلفك لأن خلف للأماكن التي تلي الأسماء من أقطارها إلى غير نهاية ، لأن خلفك وقدامك وأقطارك كلها لا غاية لها ، وجوف الدار وخارجها بمنزلة البطن والظهر ، لأنه جزء من الدار وجزء من حدودها ، وكما لا تكون الدار ظرفا ، فكذلك أجزاؤها ، فإن لم ترد هذا وأردت الجهة كان ظرفا ، فقلت : زيد ناحية الدار ، أي جهة الدار وقصد الدار ، وكذلك هو ناحية من الدار ، لأن هذا ليس بجزء من الدار ، بل هو جهة غير الدار . ثم بيّن سيبويه أن ما كان من المجرور ، فهو خارج عن الظرف كما يخرج المرفوع عن الظرف أنك تقول : زيد وسط الدار بتسكين السين ، فيكون ظرفا ، ثم تقول : هو في وسط بتحريك السين ، فيصير اسما كقولك : ضربت وسطه ، وقطعت وسطه ، فهذا بيّن من فصلهم بينهما في بنية اللفظ ، وقوله : ( واعلم أن الظروف بعضها أشد تمكنا من بعض في الأسماء نحو : القبل والقصد والناحية ) ، وذكر الفصل . قال المفسر : فإنه يعني أن القبل والقصد والناحية استعملت في الأسماء أكثر من استعمال الخلف والأمام والتحت ، فلذلك كثر الرفع وقوي وتمكن في الخلف استعماله ظرفا ، وقل في الاسم ، وقد جاء من ذلك ما تقدم ذكره في الكلام والشعر ، فالكلام قولك : خلفك أوسع من قدّامك وأمامك أضيق ونحوه ، وأنشدوا لحسان : نصرنا فما تلقى لنا من كتيبة * يد الدهر إلا جبرئيل أمامها " 1 " ومما يقوي النحو والقبل في الاسمية إذا قلت : نحي نحوك ، وأقبل قبلك أنها لا تتسع
--> ( 1 ) البيت منسوب لكعب بن مالك في معجم هارون ديوانه : 271 ، الخزانة 1 / 199 .